ابن ميثم البحراني
28
شرح نهج البلاغة
دنياهم المصلحة غير المفسدة لهم وهى دعوته إيّاهم إلى جهاد أعداء الدين والبغاة عليه . ثمّ أعرض عنها وقعد عن نصرته وتباطئ عن إعزاز دينه وأبى إلَّا التأخّر عن طاعته ، وفي ذلك الاستشهاد ترغيب إلى الجهاد وتنفير عن التأخّر عنه . إذ كان كأنّه إعلام للَّه بحال المتخاذلين عن نصرة دينه وقعودهم عمّا أمرهم به من الذبّ عنه فتتحرّك أوهامهم لذلك بالفزع إلى طاعته ، وكذلك في وصفه لمقالته بالعدل والإصلاح ترغيب في سماعها وجذب إليها . وفي قوله : ثمّ أنت بعد : أي بعد تلك الشهادة عليه المغني لنا عن نصرته تنبيه على عظمة ملك اللَّه ، وتحقير للنفوس المتخاذلة عن نصرة الدين ، وفي ذلك الأخذ بالذنب تذكير بوعيد اللَّه وأنّ في ذلك التخاذل ذنب عظيم يؤخذ به العبد . وباللَّه التوفيق . 204 - ومن خطبة له عليه السّلام الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ عَنْ شَبَهِ الْمَخْلُوقِينَ - الْغَالِبِ لِمَقَالِ الْوَاصِفِينَ - الظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ تَدْبِيرِهِ لِلنَّاظِرِينَ - والْبَاطِنِ بِجَلَالِ عِزَّتِهِ عَنْ فِكْرِ الْمُتَوَهِّمِينَ - الْعَالِمِ بِلَا اكْتِسَابٍ ولَا ازْدِيَادٍ - ولَا عِلْمٍ مُسْتَفَادٍ - الْمُقَدِّرِ لِجَمِيعِ الأُمُورِ بِلَا رَوِيَّةٍ ولَا ضَمِيرٍ - الَّذِي لَا تَغْشَاهُ الظُّلَمُ ولَا يَسْتَضِيءُ بِالأَنْوَارِ - ولَا يَرْهَقُهُ لَيْلٌ ولَا يَجْرِي عَلَيْهِ نَهَارٌ - لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالإِبْصَارِ ولَا عِلْمُهُ بِالإِخْبَارِ أقول : حمد اللَّه تعالى باعتبارات إضافيّة وسلبيّة : أولها : العليّ عن شبه المخلوقين أي في ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله ، وقد علمت كيفيّة ذلك من غير مرّة . الثاني : الغالب لمقال الواصفين ، وذلك الغلب إشارة إلى تعاليه عن إحاطة الأوصاف به وفوته لها وعدم القدرة على ذلك منه ، وقد أشرنا إلى ذلك مرارا . الثالث : الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين ، بأعين بصايرهم وأبصارهم .